الشيخ محمد رشيد رضا

302

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صرح بذلك في تفسير الآية نفسها وكذا في الفروع العملية الشخصية كالعبادات والحلال والحرام لان أكثرها معلوم من الدين بالضرورة والنصوص فيها أوضح وأقرب إلى الفهم من مسائل أصول الدين ، وفي حديث الصحيحين « الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه » الحديث وهو قد أوجب في الأمور المشتبه فيها أن تترك لئلا تجر إلى الحرام ، ولم يوجب على المشتبه في شيء أن يرجع إلى ما يعتقده غيره ويقلده فيه . واما المسائل العامة كالحرب والسياسة والإدارة فهي التي تفوضها العامة إلى أولي الامر منهم وتتبعهم فيها ، هذا ما تهدي اليه الآية وفاقا لغيرها من الآيات ، ولا اختلاف في القرآن ، وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا أي لولا فضل اللّه عليكم ورحمته بكم أيها المسلمون بما هداكم اليه من طاعة اللّه والرسول ظاهرا وباطنا وتدبر القرآن ورد الأمور العامة إلى الرسول وإلى اولي الامر منكم لا تبعتم وسوسة الشيطان كما اتبعته تلك الطائفة التي تقول للرسول : طاعة لك ، وتبيت غير ذلك ، والتي تذيع بأمر الامن والخوف وتفسد على الأمة سياستها به ، الا قليلا من الاتباع أي لا تبعتم الشيطان في أكثر أعمالكم بجعلها من الباطل والشر لا فيها كلها ، أو الا قليلا منكم أوتوا من صفاء الفطرة وسلامتها ما يكفي لإيثارهم الحق والخير كأبي بكر وعليّ ، فهي كقوله تعالى ( وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ) وفسر بعض المفسرين الفضل والرحمة بالقرآن وبعثة النبي ( ص ) ( لا عناية الله بهدايتهم بهما كما قلنا ) والقليل المستثنى بمثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل الذين كانوا مؤمنين باللّه قبل بعثة النبي ( ص ) . وقال نحوه الأستاذ الامام فهو اختيار منه له وقال أبو مسلم الاصفهاني ان المراد بفضل اللّه ورحمته هنا النصر والظفر والمعونة التي أشار إليها في قوله في الآيات السابقة من هذا السياق « ولئن أصابكم فضل من اللّه ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينهم مودة يا ليتني كنت معهم » أي لولا النصر والظفر المتتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا القليل منكم وهم